علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

345

الصداقة والصديق

يوفّيان الحالات فروضها ، ولا يبخسانها حقوقها ، فلو بلغت لرجل فوق قسطه في الإخاء خفّت على ذي الفضل ، أو قصّرت بآخر عن الوفاء ، وأزرت بأهل العدل ، واعلم أن لأهل الفضل حظوظا مقسومة ، ومنازل معلومة ، بعضها أشرف من بعض ، ولكل منزلة حماها ، لهم الفعال فليست تصلح إلّا لهم ، واعلم أن أبناء الكرام بمنزلة سيل الغمام ، ينسبون إلى الكرم ما لم يبلهم الخبر ، كما ينسب الغيث إلى المنفعة ما لم يبد له ضرر ، فإذا بلوا حمد المحمود ، وذمّ المنكود . [ لأبي الربيع ] أبو الربيع « 1 » : ما إن بلوت أحدا إلّا ردّني إليك ابتلاؤه ، ولا قفوت أثرا إلا عطفني عليك اقتفاؤه ، ولئن امتحنت سريرة قلبي بالشكر على إحسانك ، كما امتحنت عزيمة رأيي بالصبر على حرمانك ، لتهجمن بك شهود من ظاهر فعال على عيون تبصر بها باطن وفاء ، وأن تحملني حفاظك ، وتلبسني ذمامك ، ويشتمل عليّ وفاؤك ، وينفعني اليوم ما سلفت فيك بالأمس أكن وكيلا لسمعك في قلبي ، وأمينا لعينك عليّ ، فإني خفيف المئونة ، لطيف المعونة ، لا قابل غنما ، ولا سائل « 2 » أكلا ، ولا ساخط منك منزلة فويق العامة ، ودوين الخاصة ، ما لم ترفعني فوقها ، وتوجب لي ضعفها .

--> ( 1 ) هو شهاب الدين أحمد بن محمد بن أبي الربيع أديب ، كان من رجال المعتصم العباسي ، ولد عام 218 ه وتوفي عام 272 ه ، له تصانيف منها : ( سلوك المالك في تدبير الممالك ) . ( 2 ) ج ق - سأل .